ابن العربي

526

أحكام القرآن

وأما من خصّ حلف « 1 » الجاهلية فلا قوّة له إلا أن يريد أنه إذا لزم الوفاء به ، وهو من عقد الجاهلية ؛ فالوفاء بعقد الإسلام أولى ، وقد أمر اللّه سبحانه بالوفاء به ؛ قال اللّه تعالى « 2 » : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ؛ قال ابن عباس : يعنى من النصيحة والرفادة والنصرة ، وسقط الميراث خاصة بآية الفرائض وآية الأنفال . وقد قال النبي [ صلى اللّه عليه وسلم : المؤمنون عند شروطهم ] « 3 » . وأما من قال عقد البيع وما ذكر معه فإنما أشار إلى عقود المعاملات وأسقط غيرها وعقود اللّه والنذور ؛ وهذا تقصير . وأما قول الكسائي الفرائض فهو أخو قول الزجاج ، ولكن قول الزجاج أوعب ؛ إذ دخل فيه الفرض المبتدأ والفرض الملتزم والندب ، ولم يتضمّن قول الكسائي ذلك كله . المسألة الثامنة - إذا ثبت هذا فربط العقد تارة يكون مع اللّه ، وتارة يكون مع الآدمي ، وتارة يكون بالقول ، وتارة بالفعل ، فمن قال : « للّه علىّ صوم يوم » فقد عقده بقوله مع ربّه ؛ ومن قام إلى الصلاة فنوى وكبّر فقد عقدها لربه بالفعل ، فيلزم الأول ابتداء الصوم ، ويلزم هذا تمام الصلاة ؛ لأن كل واحد منها قد عقدها مع ربه ، والتزم . والعقد بالفعل أقوى منه بالقول . وكما قال سبحانه « 4 » : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً . كذلك قال « 5 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ . وما قال القائل : على صوم يوم أو صلاة ركعتين إلّا ليفعل ، فإذا فعل كان أقوى « 6 » من القبول ؛ فإن القول عقد « 7 » وهذا نقد ؛ وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث على الشافعي تمهيدا بليغا ، فلينظر هنالك . فإن قيل : فكيف يلزم الوفاء بعقد الجاهلية حين كانوا يقولون : هدمي هدمك ، ودمى دمك ، وهم إنما كانوا يتعاقدون على النصرة في الباطل .

--> ( 1 ) في ا : خلف ، وهو تحريف . ( 2 ) سورة النساء ، آية 32 ( 3 ) ساقط من ل . ( 4 ) سورة الإنسان ، آية 7 ( 5 ) سورة محمد ، آية 33 . ( 6 ) في ل : كان أوكد . ( 7 ) في ل : وعد .